الوظائف العملية للعلماء من خلال نهج البلاغة

الوظائف العملية للعلماء من خلال نهج البلاغة

إعداد: حمود عبدالله الأهنومي

أثنى الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله على العلماء، وما ذلك إلا للتكاليف الشرعية التي أُنيطت بهم، ما ذاك إلا للوظائف الربانية التي هداهم الله إليها، وأوجبها عليهم، وندبهم إلى فعلها، حيث سلطانُ حجيتِهم يستمد قوته من الله عز وجل؛ لأنهم هم من يصونون أحكامه، وهم من يُبلِّغونها، وهم من يفسِّرونها، وهم من يرسمون العلاقة الصحيحة بين السلوك والنظرية، ويراقبون تطبيقها في المجتمعات. إنهم إذا قاموا بمهمتهم ووظيفتهم الربانية، صلَح أمرُ الخلق، وسعِدت المجتمعات، وسعدوا هم في دنياهم وأخراهم.

وفي بلدنا بلد الإيمان والحكمة لن يكون هناك تغيير حقيقي واستراتيجي على ضوء الكتاب والسنة ومنهج العترة إلا إذا حضر العلماء في وظائفهم التي يسّرها الله لهم، وتنسجم مع طبيعة المنهج الرباني الذي يجب أن يسعى الجميع لتنفيذه في المجتمعات.

هذا المبحث سيتطرّق إلى أهم الوظائف العملية للعلماء من خلال نهج البلاغة الذي يحمل حجّيّتَه بذاتِ قوته البيانية والعقلية والشرعية، حيث هو الملِهِم للأدباء والبلغاء والشعراء والفلاسفة والسياسيين والعلماء والفقهاء والأمراء وعلماء الاجتماع، كلٌّ منهم يجد بغيته فيه، ولكونه حجة على أتباع الإمام علي عليه السلام والمحبين له؛ فإنه من المفيد التذكير لهم بوظائف العلماء العملية لتكون إضاءة شرعية وتأصيلية وحافزا للانطلاق في ميادين العمل. وهذا بداية الشروع في تفصيلها:

أولا: يتواصلون بالولاء ويتلاقون بالمحبة:

يتردّد أن العلماء يتحاسدون في ما بينهم، وأنهم لا يطيق بعضهم بعضا، فهل هذا أمر يرضاه الله عز وجل، هل هذا سائغ شرعا، وهل هذا وارد عند العلماء العاملين؟ لقد قال عليه السلام وهو يصف العلماء: "وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ، وَيَتَلَاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، وَيَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ، لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ، وَلَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ، عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ"[1].

إن هؤلاء هم العلماء الربّانيون المستحفَظون علم الله تعالى لا يفرِّطون في العلوم التي يحملونها ولا في المبادئ والأحكام التي لا تتغير ولا تتبدل، إنهم يصونون مصونه.

ويفجرون عيونه، حيث هم من يستخرجون الأحكام في القضايا المستجدّة، ويستنبطون المعاني والأحكام التي لم يسبقهم إليهما أحد.

تربطهم علاقة الموالاة التي أمرهم الله بها، فهم يتواصلون على هذا الأساس. وإذا لقي بعضهم بعضا لقيه محبا له، لا مجاملا ولا مداهنا. والتصافي بينهم هو سيد مواقفهم، فإذا أجدب أحدُهم استقى من الآخر، وإذا قصُر في موضوع استطال بصاحبه.

بهذا التواصل وبهذه المحبة أترعت بهم الحياة الجميلة في كأسها الروي، ولا يتسلل إليهم سوء الظن، ولا رذيلة البغض، ولا أن يذكر بعضُهم بعضا بما يكرهون في غيبتهم. صار هذا الأمر فيهم كأنه خلق وطبع تأصّل فيهم وتأثّل.

هكذا يجب أن يكون العلماء، وأن يكونوا ربانيين باحثين عاملين بما علموا.

ثانيا: يدرسون الكتاب ويستنبطون الأحكام:

بما أن العلماء هم الذين بهم يتم تعريف الخلق بالحق، وعليهم واجب التبليغ بعد رحيل الأنبياء، حيث هم وُرّاثُهم، فإن من أولى مهماتهم ووظائفهم العملية هي اكتساب العلوم النافعة دائما، وهي التميز والإبداع في إطار البحث والدراسة. ليس هناك عاقل في هذا العالم لا يكون مع هذه البديهية، هذا القرآن الكريم يخبِرُنا أن هؤلاء الربانيين المعلِّمين للكتاب هم بحاجة إلى مزيد من البحث، لا بد لهم من عقد المؤتمرات العلمية، والحوارات، والمناقشات، وبحث المزيد من القضايا التي تغطي الحاجة العلمية والاجتماعية للقضايا المستجدة من وجهة نظر دينية.

يجب أن يجتمع العلماء للنقاش والمدارسة، حتى تحتك عقولهم ببعضها لتنقدح منها نار الحكمة، لتجيب عن الأسئلة الحائرة، لتنير الطرق المظلمة، لأن يكون لهم بصمة واضحة في إسعاد البشرية، ألم يقل أمير المؤمنين عليه السلام لواليه الأشتر النخعي اليماني رضي الله عنه: "وأكثِر من مدارسة العلماء، ومنافثة الحكماء، في تثبيت ما صَلَح عليه أمرُ بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك"[2].

بلغة العصر يجب أن يكون هناك مراكز بحث علمية متخصصة تبحث في كافة القضايا المتعلقة بالإنسان يكون قِوامُها العلماءَ المتخصصين، يستخلصون من بحوثهم النتائج والتوصيات التي تعين الحكام على اتخاذ القرار الأصوب، الذي يُصْلِح أمرَ البلاد، وما تستقيم به حياة العباد.

ماذا لو أخذت المجتمعات الإسلامية بهذه النصيحة وفعّلتها في واقعها الذي أظلم بالجهل والجهالات؟!!

يقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)[3]. يبين الله في هذه الآية الكريمة أن العلماء الربانيين لا يزالون يُعَلِّمون العلوم ولا يزالون يدرسونها، هذه هي مهمتهم ووظيفتهم.

إن ما تعاني منه الأمة اليوم أنها رضيت بالجهل صفة ملازمة لها، لم تعُدْ تقرأ التعاليم الإسلامية بوعي، هل كانت الأمة ستعيش في مرتع التخلف والغباء لو أخذت بمنهج الإمام سلام الله عليه حيث قال: "يا جابر قوام الدين والدنيا بأربعة، عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم.. فإذا ضيّع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلّم"[4].

إذا أردنا الخروج من دائرة الضياع والهامشية التاريخية فعلينا أن نستحضر صفات المتقين في واقعنا، كما ورد في قوله عليه السلام: "فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم"[5]، أيُّ أمة تحرِص على التعلم والعلوم فإنها أمة خَطّت لنفسها طريق المجد، وصعدت في سلَّم الكمال والجمال، وسلكت سبيل التسامح والصفح، واتجهت بذلك للبناء الإيجابي الصحيح.

هناك في نهج البلاغة وصفٌ ينطبق على عصرنا وعلى كثير من الشعوب الإسلامية يسلط الضوء على الزمن الذي يسود فيه التغافل والجهل، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهرٍ عنودٍ، وزمنٍ كنود، يُعَدُّ فيه المحسنُ مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوًّا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوَّف قارعة حتى تحُلُّ بنا"[6]. هذا الوصف ينطبق بقوة على هذا الزمن الذين نعيشه، حيث تسود حياة التغافل، ويتزعّم الجاهلون، وتختلط المفاهيم، وتضعُف الموازينُ السوية، وحيث يكون هناك علماء ولكن لا ينتفع الناس بعلمهم، وحيث هناك جهلة يطمئنون لجهلهم، وحيث لا يوجد استشرافٌ علميٌّ مدروس للمستقبل.

يجب أن نخطِّطَ لحياتنا وأن ندرس أمورنا وشؤوننا حتى نتفادى الوقوع في الأخطاء، وحتى لا نستسلم للدهر الكنود.

إن رسم العلاقة الشرعية بين المشروع والواقع العملي وتنفيذ كثير منها هو مسؤولية العلماء التي لا يجوز لأحد منهم التخلي عنها مهما كانت الظروف، ولا يتم ذلك إلا بإعمال التخصصات الدراسية العلمية وعقد المؤتمرات البحثية والدراسية.

إن هذا يحتّم على أتباع مدرسة أهل البيت تصحيحَ أي مسار لا يتجه في هذا السبيل، وأن يخرجوا من عنق ذلك الدهر المشؤوم. ليس من المعقول أن ندير ظهورنا للمنهج العلمي الذي قامت عليه مدرسة أهل البيت في اليمن منذ صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، يجب أن يعود الحرص على العلم بقوَّة إلى حياتنا، وهو بالطبع ليس محصورا على المجالات الفقهية والاعتقادية، بل يشمل كل ما يشارك في صلاح المجتمعات وقوتها وتطورها ونمائها وسعادتها.

من الأهمية بمكان أن يحضُرَ حِرْصُ أولئك المتقين على العلوم في حياة مدرسة أهل البيت في اليمن اليوم، ألم يروِ الإمامُ الأعظم زيدُ بن علي سلام الله عليهما عن جده أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "ما دخل نومٌ عيني، ولا غمض رأسي على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى علمت ذلك اليوم ما نزل به جبريل عليه السلام من حلال، أو حرام، أو سنة، أو كتاب، أو أمر، أو نهي، وفي من نزل"[7].

ثالثا: كونوا ربانيين:

من وظائف العلماء تربية النشء وتعليمهم أحكام الكتاب الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، من خلال المنهج الذي طمأننا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لن يكون منهج ضلال، منهج أهل البيت سلام الله عليهم.

وصف القرآنُ الكريمُ العلماءَ المعلِّمين بأنهم ربانيون، حيث قال: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران79. الله يخبر أنه لا يمكن لرسول أن يدعو الناس إلا لأن يكونوا ربانيين، بسبب أنهم يعلّمون كتاب الله عز وجل، وبسبب أنهم يدرسون، يدرسون أي علم نافع، يدرسون كل ما من شأنه أن يُدْرَس.

العلماء الربانيون هم أولئك الذين خلُصت حياتهم لله، في سبيل إصلاح وتربية خليقته، لا همَّ لهم إلا أن يعلِّموا أحكام الله للآخرين، ويدرسونها، إنهم ربانيون، منسوبون إلى الرب، وهي الصفة الإلهية المشتقة من التربية، همهم تربية هذا المجتمع على هدى الله، وتنشئته التنشئة الفاضلة بحسب ما يريده عز وجل. هذا أمير المؤمنين عليه السلام يبيِّن في نهج البلاغة أن من حق العامة على العلماء الحكام أن يعلّموهم حتى لا يجهلوا، وأن يؤدّبوهم كيما يتعلموا[8].

ألا تعود مشكلات عالم اليوم إلى سوء التعليم والتربية السيئة حين تولى أمرها من لم يكونوا من الربانيين، وهكذا حين تبتعد البشرية عن المصادر الصحيحة لبناء السلوكيات والأخلاق القويمة يأتي هذا الكم الهائل والغريب من الانحراف السلوكي والتصوري، ويتعزّز عندئذ الإغراق في الماديات.

لماذا حُصِرَ عالمنا الإسلامي اليوم بين أن يُربَّى إما على الطريقة القالية المناقضة والمبغضة لتعاليم الإسلام، من خلال دعم الانخلاع عنه، والابتعاد عن تعاليمه، فيكون إنسانه بجسم مسلم، وعقلٍ غربي، وإما على الطرق المتدينة العنيفة والمغالية التي ترتكب أقسى الطرق وتفرض وحشية طباعها وقساوة سلوكها على أنه الدين؟

نحن بتفريطنا في واجباتنا وانسحابنا عن هذه الوظيفة مَنْ حشر الأمة في هذين الطريقين، نحن بتركنا لهم المشهد التربوي أول من يجب أن تُوَجَّه له الملامة.

في اليمن للأسف الشديد أسلم المجتمعُ عقلَه لهاتين الطريقتين المنحرفتين، لما غُيِّبت الحركات المعتدلة عن المشهد التربوي والتعليمي بفعل قرارات معادية وظروف سياسية وتاريخية، وأسلم العامة من الناس عقولهم وناشئتهم للحركات التكفيرية أخذت اليمن معدّلات قياسية في توزيع التكفيريين على أقطار الأرض. لا تسمع عن بلدٍ يوجَد فيها تكفيريون إلا ولليمن حظٌّ فيه ونصيب. ظلت النُّخَب العلمائية تبتعد شيئا فشيئا عن عامة الناس، وتعيش في دوائر ضيقة لا تفتح أبوابها على المجتمع بشكل واسع، بينما حضرت الحركات التكفيرية في المجتمعات بشكل واسع، ومكثّف، ومدعوم، صحيح أنه لولا المال لما كانت هناك استجابة لأيٍّ منها.

لقد آن الأوان أن تخرج الدوائر النخبوية على المجتمع بشكل واسع ومن خلال تقديم الخدمات التعليمية والبحثية والاجتماعية الخيرية، من خلال الإعلام والثقافة، من خلال العودة إلى ميادين التربية الواسعة بين مختلف الفئات العمرية.

يهدينا أميرالمؤمنين للطريقة الفضلى في تعليم الأبناء؛ إذ يقول في وصيته لابنه الإمام الحسن سلام الله عليه: "وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله عز وجل، وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذين التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة"[9]، هنا يظهر المنهج العلوي في تعليم وتربية الأجيال بكتاب الله، وأهمية أن يقتصر التعليم على تعليم القرآن الكريم وأحكام الإسلام وشرائعه، ولكن بما أن الخلاف حاصل والشبهات حاضرة في العقول فمن الأهمية بمكان وجوب التبيين باعتباره الخيار الأقل ضررا، بحيث لو ارتفعت خطورة تلك الشبهات فإنه لا ينبغي أن يبذل في سبيلها جهد.

يجب أن يحضُرَ القرآن الكريم في تعليم الأجيال والناشئة، يجب أن تعيش الأمة جميعا أجواء القرآن وحياة القرآن الذي جعله الله "ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء"[10]، العلماء يجدون فيه ما يزوّدهم من المادة الشرعية التي بها يستعينون على الوصول إلى المطلوب الشرعي في مختلف المجالات الحياتية، والفقهاء يجدون فيه مروج قلوبهم الخضراء التي بها يعمرون آمال الناس في ربهم ودينهم، ألم يقل أمير المؤمنين عليه السلام في كلمة أخرى له: "الفقيه كل الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيِسْهم من رَوْح الله، ولم يؤمِّنْهم من مكر الله"[11]. ما بال بعض الدعاة يصورون الدين كالحسام القاطع الذي شفره كالبرق الخاطف، لا يرحم؟ ما بالُنا إذن نتحرك لنفصل الإنسان عن العلاقة المتجددة مع الله عز وجل فترانا إما نعزِّز قضية القنوط واليأس في قلوب الناشئة والمخطئين أو نُعْفِي أنفسنا ومجتمعاتنا من تحمُّل أي مسؤولية تقصيرية، لقد أراد الله منا أن يعيش المجتمع والفرد بين الرجاء والخوف، أراد الله منا القرب من جنابه الأقدس رجاء وخوفا، أراد الحق تبارك وتعالى أن لا يُنْسَى هو ولا أمرُه وشأنُه.

يعيش الفريقان القانطون واللامبالون في حالة انقطاع عن الله، ذاك قنِط وخرج عن دائرة الرجاء، وهذا تغافل فلم يعد يبالي بأي مستقبل، يجمعهم أنهم بعيدون عن الله، لا ترتبط مشاعر قلوبهم ببارئها، فيتصلّب شعورهم ويقسو حيث لا تخفق في أمواجه أعلامُ الرجاء ولا تقطُر في ساحاته دموعُ الخوف.

العِلم الذي يريده أميرالمؤمنين هو ذلك العلم الذي يُصْلِح مسار العلاقة بين الله وعبيده، العلم الذي يجلب لهم السعادة والقوة، العِلم الذي ينجي المجتمع من تسلُّط بعضِ فئاته على فئات أخرى، العِلم الذي يوصل إلى العدل والمساواة والحقوق، فلا نقص في نفس، ولا في عرض، ولا في مال، ولا في كرامة، ولا في شعور، العلم الذي يحقق للمجتمع ولإنسانه العزة والكرامة والمجد والرخاء والطمأنينة والسعادة.

رابعا: يهدون إلى الحق:

بليت الأمة اليوم ومنها بلدنا الحبيب اليمن بشرور الفتوى الدينية التي بنارها اشتعلت الحروب، وحلّت المآسي، وكثر الخراب.

هل يمكننا تجريد العلماء من هذه الوظيفة الدينية؟ طبعا لا يمكن ذلك.

الإسلام دين الفطرة، التي فُطِر عليه العالمون، وأي محاولة لإبعاد الدين من حياة المجتمعات فإنما هي خطوة في مهاوي النظريات التكفيرية المتشددة، التي تستغل حاجة الناس إلى الدين فتتبنى أفكارا معادية للأصوات المعتدلة، وإنما هي مصادمة للفطرة الإلهية التي فطر الله الناس عليها.

يجب أن نتذكَّر أن من يصدِّرون هذه الفتاوى التكفيرية لا قدمَ لهم راسخة في العلم، يستندون في فتاواهم على تعاملات غيرِ مسلَّمة اقترفها بعضُ الحكام في صدر الإسلام، أو على فهمٍ تنقُصُه الكثيرُ من الحيثيات، إنهم يحيون سنن الظالمين، ويميتون الأحكام الإلهية؛ لهذا نجد مستندهم فتوى الشيخ الفلاني، أو حكم الحاكم العلاني، ومشاعر الكره والبغض التي يحملها هؤلاء أو أولئك.

إن أميرالمؤمنين عليه السلام يحذِّر من هذه الفئة التي تتعالم وتفتي بدون علم، حيث يقول: "وآخر قد تسمّى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، و أضاليل من ضلاّل، ونصب للنّاس أشراكا، من حبائل غرور، وقول زور، قد حمل الكتاب (القرآن) على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه... يقول: أقف عند الشّبهات، وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع، وبينها اضطجع[12]"، ويقول عن هؤلاء الذين قصُر بهم العلم عن الغايات المطلوبة، ولهذا يحاولون تغطية جهلهم وقصورهم بادعاء العلم: "المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعُهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلُهم في المهمّات على آرائهم، كأنّ كلّ امريء منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يَرى بعُرىً ثقاتٍ، وأسبابٍ محكماتٍ"[13]. ويصفهم مبيِّنا أنهم يتلبّسون بالفتن، ويلوون أعناق الآيات، ويصرّفون وجوه الدلالات نحو أهوائهم: "قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن"[14].

لقد حمل الإمام سلام الله عليه على هذه الفئة المتعالمة والمدّعية حملة شعواء، ولهذا لا تجد في نهج البلاغة تهوينا في شأن العلم الذي يفضي إلى السلوكيات العملية المطلوبة من الله، بل نجد فيه حثا حثيثا وقويا على التعلم باعتباره المؤهِّل الأساسَ في عملية إصلاح المجتمعات والحفاظِ على أخلاقها وحقوقها وقيمها؛ فقد قال عليه السلام: (تعلموا العلم قبل أن يرفع، أما إني لا أقول لكم هكذا، وأرانا بيده، ولكن يكون العالم في القبيلة، فيموت، فيذهب بعلمه، فيتخذ الناس رؤساء جهالا، فيسألون فيقولون بالرأي ويتركون الآثار والسنن، فيَضِلون ويُضِلون، وعند ذلك هلكت هذه الامة)[15].

ألم يتخذ الناس اليوم مفتين رؤساء جهالا، وفي فتاواهم هلكت الأمة وتناحرت وتشتت، وذهبت دماؤها هدرا؟!! أليس ما يحدث في سوريا وفي مصر وفي لبنان وفي اليمن وفي العراق وفي بلدان إسلامية كثيرة يعود إلى الفتوى التي خلطت الحابل بالنابل.

لعل الأمة تعيش اليوم في عصر الهلاك الذي حذّر منه أميرالمؤمنين سلام الله عليه، حين يتصدر الواعظون وهواة الظهور والصورة والذين لا منهج سليم لديهم ليُصَدِّروا الأحكام والفتاوى والمواعظ والتي من خلالها هلكت الأمة، قالوا: إنه عليه السلام مرَّ يوما بقاصٍّ، فقال: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، فقال الإمام: هلكت وأهلكت، ومرّ بآخر قال: ما كنيتك؟ قال أبو يحيى: قال: بل أنت أبو اعرفوني[16].

لقد بيَّن الإمام علي عليه السلام مؤهِّلات الفتوى والقضاء والموعظة، ووضع أسس المنهج السليم للتعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية.

فحين تحدث عن القرآن الكريم باعتباره العَلَم القائم الذي خلّفه النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم بيّن هناك محاوِرَ المنهج السليم الذي يجب أن يأخذه بعين الاعتبار من يريد التعامل مع القرآن الكريم وأنواعه، والعلاقة بينه وبين السنة النبوية، قال: "وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا؛ إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلًا بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَلَا عَلَمٍ قَائِمٍ؛ كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ، مُبَيِّناً حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ[17]، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ[18]، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَه[19]، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ[20]، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ[21]، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ[22]، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى الْعِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الْكِتَابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُومٍ فِي السُّنَّةِ نَسْخُهُ[23]، وَوَاجِبٍ فِي السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَّصٍ فِي الْكِتَابِ تَرْكُهُ[24]، وَبَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ، وَزَائِلٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٍ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ فِي أَدْنَاهُ، مُوَسَّعٍ فِي أَقْصَاهُ[25]"[26].

هنا بيّن سلام الله عليه كثيرا مما اصطلح الفقهاء لاحقا على تسميته بأصول الفقه، ويعني منهج التعامل الصحيح مع القرآن الكريم.

لقد كان سلام الله عليه أعلم الصحابة بعلوم القرآن، وأعلمهم أيضا بتحليل وتفسير ظاهرة الاختلاف في النقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولهذا وضع اللبنات الأولى والصحيحة لعلم الرواية ومصطلح الحديث في زمنه المبكر، لقد فسّر فيها هذه الحالة التي ابتلي المسلمون بها، والتي ترجع جميعها إما إلى خطأ في عملية تحمُّل الحديث النبوي، أو إلى خطأ في منهج التعامل مع هذه المرويات. وكان أكمل رواة الأحاديث هو ذلك الرجل الذي وصفه بقوله: "وَآخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ؛ فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَكَلَامٌ عَامٌّ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِئُ، فَيَسْأَلَهُ عليه السلام حَتَّى يَسْمَعُوا، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ"[27]. ذلك ما يمكن تسميته علم السنة أو فقه السنة لدى أمير المؤمنين عليه السلام.

لقد منع الإمام علي عليه السلام بصريح العبارة أولئك المتعالمين من تقحُّم أودية الفتوى، ومنع أولئك الذين لا يتقيّدون بالمنهج السليم في التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية الجامعة من الفتوى، حيث قال: "لا يُفْتي الناسَ الا من قرأ القرآن، وعلم الناسخ والمنسوخ، وفقه السنة، وعلم الفرائض والمواريث". وفيه بيّن عليه السلام مصادر الفتوى، والتي هي: القرآن الكريم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وفقه السنة، وهو ما تقدم، وعلم الفرائض (الحساب) والمواريث (مقادير الإرث لكل وارث).

خامسا: إقامة العدل:

إن وظيفة العلماء الأساسية هي إصلاح أمر الأمة والمجتمع، وترتيبه على النحو الذي يريده الله تعالى، وما من شك فإن أي أمة لا يكون فيها القضاء عادلا ولا نزيها فإنها أمة في طريقها إلى الاضمحلال، وما تعيشه الأمة عامة وبلدنا اليمن خاصة ما هو إلا نوع من التظالم والتيه الذي أعقب مغادرة العلماء الربانيين لوظائفهم الرسمية العملية التي تعلي شأن مجتمعاتهم فتركوها نهبة وعرضة للمفتئتين والانتهازيين والمتعالمين والمدّعين. فكيف تحدّث أميرالمؤمنين عليه السلام عن هذه القضية التي تعتبر في أول الوظائف الأساسية للعالِم المصلح؟

إن وظيفة القضاء يجب أن تُسْنَدُ إلى أهلها من العلماء أهل الأمانة والقوة والذكاء، وحين يقرأ الإنسان نهج البلاغة يجد فيه الإمام عليا عليه السلام يجعل للمعرفة الغزيرة والعميقة مكانة خاصة في صلاح أمر القضاء وإقامة العدل، ووصول أصحاب الحقوق إليها، بينما نجده يشن حملة شعواء ضد أولئك المتعالمين الذين يضعون أنفسهم قضاة وهم ليسوا بأهل.

يقول الإمام سلام الله عليه لما سُئل (ع) عن دعائم الإيمان فقال: "والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم"[28]، هنا أمير المؤمنين بنى العدل على أساسات ضرورية، هي غوص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم، فالقاضي العادل لا يكفي فيه أن يكون صادقا، ولا يكفي فيه أن يكون نزيها، بل لا بد أن يكون صاحب فهمٍ غوّاصٍ في القضايا نظريا وعمليا، ولا بد أن يكون ذا علم عميق بالنازلة، وهذا سيعطيه خيارات كثيرة في الحكم، ثم بعد ذلك عنده الأهلية الكاملة لاقتطاف زهرة من زهرات خياراته، ثم لا بد من أن يكون عند الاختيار وعند تطبيق الحكم راسخا في الحلم والأناة.

إن الظلم الذي يأتي نتيجة الجهل هو أسوأُ أمرٍ كرِهَه الإمام صلوات الله عليه؛ لذا يحس سامع خطبته التي يتحدّث فيها عن أبغض الخلائق إلى الله وكأنها صرخات مظلوم وقع ضحية قاض جاهل لم يعضَّ على العلم بضرس قاطع، لقد صوّر مشهد ذلك القاضي المتعالم والمتشبِّع بما ليس فيه تصويرا دقيقا، إني لأجزم أن مواصفات ذلك القاضي المتعالم موجودة بشكلٍ غالبٍ في زمننا وقطرنا الحبيب، يرتوي أحدهم من دراسات نظرية لا علاقة لها بالعدل وإحقاق الحق، ويكتنز معلومات غير طائلة من معهد القضاء، ثم يُعيّن قاضيا، وأمامه ركام هائل من الكتب القانونية والإجراءات، وحين تعصف به قضية مبهمة، تدور به الدوائر، فيهيّئ لها رأيا ليخرج من مأزقها، فيقطع به، مع أنه يعيش حالة شك كبيرة، هذا الإنسان المتعالم ألِف حياة التباهي وحبَّ الظهور، والمهم لديه أن يظهر بمظهر العالم؛ لهذا له جهالات كثيرة لا يتورَّع عن التقحُّم فيها، وحين يقتنع برأيٍ ويرى أنه صحيح يحسِب لفرط جهله أنه عند هذا الرأي قد انتهت الأحكام، حيث الجهل بطبيعته يجعل صاحبه أقل تسامحا، وأكثر تشددا، هنا يصرخ أميرالمؤمنين بصرخة الشعوب المدوية في كل زمان ومكان، حيث يقول: "تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجُّ منه المواريث، إلى الله أشكو من معشر يعيشون جُهّالا، ويموتون ضُلّالا"[29]، إنها الصرخة الخالدة التي نشهدها في كل متعالم، وفي كل زمن يعتمد الزيف والتزوير منهجا له.

إن الرجل الذي كان باب مدينة العلم لا يمكن أن يأنس لحياة الجهل، هو الذي يعيش اليقين، وهو يعلم أن الظلم والتزوير والجهل مفردات تنسجم مع بعضها، ولكنها تتنافى والقيمَ العالية، تتنافى وحالة الوضوح واليقين التي أنِس إليها، وشَبّ وشاب عليها، ولهذا حذِّر صلوات الله عليه من تلك الأزمنة التي يسود فيه الجهل، ويشرُفُ فيها الضلال، فيقول مفسرا لقوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى)، يقول: "لم يوجِس موسى عليه السّلام خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهّال، و دول الضّلال"[30].

أخيرا يوجب الإمام سلام الله عليه أن ينطق القاضي بالحكم الحق، ولكنه يكره أن يكون ذلك الحكم نتيجة الادعاء والتعالم، يقول: "لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل".

سادسا: النصيحة لأئمة المسلمين وعامّتهم:

ليس من المنطقي أن يقتنع الإنسان بفكرة ما ثم يتهاون في أمرها، ولا يبذل ما في وسعه لتبنيها، ونجد في التاريخ أنه ما هُزِمَت أمة من الأمم الإسلامية أو الكفرية إلا بسبب نزاعاتها الداخلية، وتربُّص بعض مكوناتها بالبعض الآخر، وتخاذل قادة الرأي فيها وصانعي الأفكار، لم تنهزم أمة في ميدان إلا إذا كانت بذور تلك الهزيمة قد نخرت جرثومتها داخل المجتمعات.

لقد تيسّر للمسلمين بل للبشرية رجلٌ عظيم مثل أميرالمؤمنين علي عليه السلام، غير أن الأمة في عصره لم يتيسّروا له، هذا نهج البلاغة طفح فيه الألم، وامتلأ بالشكوى والحرقة والأنين، حيث تهاون أنصاره عن نصرة مشروعه الإلهي، فدالت دولتهم ليستلمها الطغاة والظالمون، ما الذي سيحدث لو أنهم نصروه وشادوا بناء دولته القائمة على العدل والإنصاف، لو أن أولئك القوم ومن ضمنهم العلماء التفّوا حول الإمام وبادروا إلى نصرته كما نصر أهل الشام خصمه معاوية لحقق انتصارات ساحقة، وتأثّلت دولة الحق والمحقين، وحكمت دهرا طويلا.

لقد ملأ المتخاذلون قلب أميرالمؤمنين قيحا، وتوقّع مصيرهم بأنهم سيُمكَّنُ منهم، وتلك هي سنة الله تجري في الأرض، فمن توفّرت لديه العوامل الموضوعية في تحقيق أمر فإن ذلك الشيء سيتحقق، بدون فرق بين مؤمن وغير مؤمن، مع أن الإيمان أيضا سبب من ضمن الأسباب الموضوعية في نظري، لقد كانت القضية المركزية هي أن القوم لم يُخْلِصوا النصح للإمام سلام الله عليه، فعاقبهم الله بأن سلّط عليهم أولئك الظالمين يسومونهم سوء العذاب.

دعاهم إلى الجهاد فتثاقلوا، وحثهم بكل الوسائل ليخرجوا من حالة التخاذل التي ضربت على قلوبهم، وحذَّرهم أن يصير أهل الحق عبيدا لهؤلاء المبطلين، لكنهم آثروا الدعة والسكون، وبعد زمان دخل الأمويون بلاد العراق، وساموهم سوء العذاب، نكّلوا بهم، فورثوا الحسرة، وحصدوا الندامة.

واجبٌ على العلماء أن ينصحوا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، لقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام مخاطبا الأمة: "وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم"[31]. هذا ما يجب على الناس جميعا ومن ضمنهم العلماء، ولكن نصيحة العلماء هي نصيحة مشفوعة بقوة الحجية، ونصاعة البرهان، وسلطان اليقين.

البعض يظن أن الحاكم يجب أن يكون مَرْضيًّا عنه بنسبة 100% حتى يمكن أن تُوَجّه إليه النصيحة، وفي نظري أن ذلك غير وارد؛ لأن أميرالمؤمنين عليه السلام كان ينصح من سبقوه في الحكم بنصائح يشعر المرء أنها جزء من نبض قلبه، لقد شاوره عمر بن الخطاب أن يخرج لقتال الروم فأشار عليه بأن لا يخرج، وأن يولِّي على ذلك الجيش رجلا، وأن يحفز معه "أهل البلاء والنصيحة"[32]، هو لم يعتقد شرعية أيٍّ ممن سبقه، ولكن كان هناك خيارات للنصيحة، هناك خيارُ نُصْحِ شخص عمر، وهناك خيار النصح للإسلام، لقد تعدّت اعتبارات المسألة، وشخص هذا الخليفة لا زال يحتفظ بكثير من المسلّمات الدينية، أصبحت المسألة هل هذا الأمر سيعود بالنفع للإسلام أو بالضرر أم لا؟ هنا ينحاز الإمام للرأي القائل بأن نصحه يتوجّه إلى ما يطلبه الإسلام من أتباعه في السعي لحفظ أهداف الإسلام الكبرى.

حين أقرأ نصيحته لعثمان بن عفان ومحاولاته الحثيثة في أن يغيِّر ما وقعت فيه حكومته من فسادٍ ماليٍّ وإداري وهو يستجيش خيريته بكلامٍ طيب، ويستثير فيه قيم الخير والسبق والمبادرة ويناشده الله والرحم، رغم أنه أحدُ مَنْ تألّبوا عليه، وأخذوه حقه وسلطانه، حين أقرأ ذلك أجدني أمام رجل استثنائي لا يعرف تاريخ الإسلام له مثيلا بعد معلمه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إنها النصيحة للإسلام، النصيحة لأن يخِفَّ السوء عن كاهل أهل الإسلام.

وإذا كان سلام الله عليه قد جعل غش أئمة المسلمين أفظع الغش حيث قال "أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأفظع الغش غش الأئمة"، فإنه جعل معصيتهم للعالم الناصح لهم من العلماء مُوْرِثةً للحسرة والندامة، حيث قال: "أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرّب تورِث الحسرة وتُعْقِبُ الندامة"[33]، وفيه يحث كل من يمكن أن توجّه إليه النصيحة من أئمة المسلمين، ومن عامتهم، أن لا يعصوا الناصح الذي هذه مواصفاته، وهي: الناصح، المحب، العالم، المجرِّب. وهو يبين أمرا مهما أن على ولاة المسلمين أن ينزلوا عند رأي أهل العلم والخبرة، وأن يشكلوا مجالس استشارية منهم، وتكون السلطة التشريعية لهم.

سابعا: الولاية العامة:

دين الإسلام هو دين بمنهج شامل كامل يعالج مختلف شؤون الحياة، وقد أوجب القرآن الكريم أن يتبع الناس من يهدي إلى الحق، وبالتالي فالدولة الدينية التي يريدها الإسلام يجب أن تكون بتوجيهات العلماء وتحت قيادتهم وفي ظل سماحة الإسلام، وفي نهج البلاغة يقول أميرالمؤمنين عليه السلام: "فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك، ... والجهاد عزًّا للإسلام، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، والإمامة نظاما للأمة، والطاعة تعظيما للإمامة"، حيث لا يمكن أن تكون الأمة منتظمة بدون ولي أمر يعتَبَر واسطةَ عِقْدِ نظامها، ومدبِّرَ شؤونها، ولا بد من الطاعة له، لكن السؤال: هل يجب أن يكون قادة الأمة علماء؟

يجيب أميرالمؤمنين عليه السلام في نهاية الخطبة الشقشقية عن مسؤولية العلماء، حيث يقول: "أما والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود النّاصر، و ما أخذ اللّه على العلماء في أن لا يقارّوا على كِظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها"، يؤكد سلام الله عليه أن مسؤولية العلماء لا تغيب عن حياة الناس العملية وأنه مأخوذ عليهم أن يشاركوا إيجابيا وبفعالية حينما يكون هناك ظلم، وقد جاء هذا الكلام في تعليل قبوله تولي مقاليد الخلافة، وهو باب مدينة العلم، ومن هنا فإن الولاية العامة تعتبر وظيفة علمائية. إن منطق أي حضارة في العالم يبيّن أن العالِم بشؤون الأمة وما تحتاجه هو المعيار الصحيح لاختياره، وبما أن حضارة الإسلام حضارة دينية فإن العلم بالدين في مقدمات مواصفات قادتها.

يعتبر الإمام سلام الله عليه أن ولاية الأمر يجب أن تكون لأعلمهم بأمر الله، حيث يقول: "أيها الناس، إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه"[34].

وفي كلام له وهو من أفضل ما كُتِبَ أو قيل في الفكر السياسي الإسلامي يضع سلام الله عليه مواصفات قائد الأمة والوالي عليها، حيث قال: "وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدّماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدّول فيتّخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسّنّة فيهلك الأمة"[35].

في هذا النص يمنع عليه السلام أن يلي أمر الأمة:

 البخيل؛ لأن بخله سيدفعه إلى الاستقصاء في أموال الرعية، وهو ما يفتح شهيته للاستيلاء عليها بدون وجه حق.

والجاهل؛ لأنه سيكون مصدر ضلال هذه الأمة المهدية التي هديت بصراط الله، وفيه إشارة إلى أن ضلال هذه الأمة قد يكون بيد ولاتها الظالمين، وما أكثر إضلالهم لأممهم.

والجافي (القاسي)؛ لأنه لا توجد فيه الرحمة الكافية التي تدفعه على مواصلتهم والرحمة بهم.

والحائف للدول (المحابي)؛ إذ هذا المحابي سينتهج منهج العصبية الحزبية، ويسلك طريق الأقلية الحاكمة التي تسيطر على خيرات الأمة لمصالحها الخاصة.

والمرتشي في الحكم؛ لأن الرشوة تسوقه إلى صرف الحقوق عن أهلها، أو عرقلتهم عن الوصول إليها.

والمعطّل للسنة، وهو ذلك الحاكم العالم الذي لا يعمل بعلمه في ولايته، وهنا مكمن الداء وبيت العلل فعند ذلك هلاك الأمة.  

الولاية التي لا تساوي نعلا: لقد دخل ابن عباس رضي الله عنهما على الإمام سلام الله عليه وهو يخصف نعله، فقال له: ما قيمة هذا النعل؟ فقال: لا قيمة لها، فقال: "والله لهي أحبُّ إليّ من إمرتكم إلا أن أُقيم حقا، أو أدفع باطلا"[36].

يا للهول!! الإمام يعتبر أن هذه الولاية (إمرة المسلمين) لا تساوي نعلا؟!

إنها كذلك إذا لم ينصر فيها الحق ولم يدفع الباطل، هذه هي النظرة الدينية التي ترى شرعية وجودها في أنها تقيم الحق وتدفع الباطل عن الأمة فقط، فإذا لم تكن كذلك فلا شرعية لوجودها، ولهذا لا احترام ولا قدسية لهذه الإمارة، ويجب على القادرين تغييرها.

ومن هذا المنطلق وهو أن الإمرة الظالمة لا تعدل عند الله نعلا، كان حجم الوفاء للمبادئ الدينية لديه سلام الله عليه عند التطبيق كبيرا، فلا مكان للغدر في سياسته عليه السلام، ولا مكان للمخاتلة، ولم تبرر الغاية الوسيلة، فهو لا يمكن أن ينتصر للإسلام وللدين وللحق بالكذب ولا بالخداع ولا بالجور، إنها السياسة الشرعية المنضبطة بضوابط الشرع، التي تحضر في قاموس أمير المؤمنين بقوة بينما تغيب تماما عند الطغاة وأصحاب المشاريع التي لا ترتبط بالمنهج الإلهي الرباني.

يسقط السياسيون في مسألة خطيرة، حيث يكون همُّ أحدِهم أن يبني دولة وإمرة، ولا يهمه طبيعة تلك الدولة، ولا أهدافُها، ولا مبادئها، ولا الوسائل التي توصله إليها؛ لهذا لا يتورع عن فعل أي شيء يرى فيه إمكانية لتحقيق أهدافه حتى لو كان قبيحا، يقول سلام الله عليه في هذا: "إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، ولَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، ومَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، ولَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً، ونَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ ودُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، ويَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ"[37].

هناك أيها الإخوة السياسيون مبادئ وثوابت يجب أن لا تكون من خياراتكم المطروحة على الطاولة والقابلة للتفاوض والتجاوز، حين يخرج عنها أحدنا يصبح لاعبا سياسيا بدون ضوابط الدين، لم يعد الدين الحق هو من يصرّف شؤونه.

قوة التطبيق: حين يصل القائد العالم للحكم يجب أن يتخذ القرار المناسب مهما كانت الظروف، وفي هذا المقام نتذكر الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن إبراهيم عليه السلام حين كان يقول: (إن هي إلا سيرة محمد أو النار)، ونتذكّر أيضا الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش سلام الله عليه، لما وصل إلى الحكم في الجيل والديلم[38]، كيف طبّق الحكم الإسلامي، فلم يعرف الناس مثل عدله، لقد وصفه مشاهير المؤرخين من العامة بحسن السيرة وإقامة العدل، قال ابن جرير الطبري: "لم ير الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق"[39].

ألم يقل الإمام علي عليه السلام: "وقد قلّبت هذا الأمر بطنه وظهره، حتى منعني النوم فما وجدتني يسعُني إلا قتالهم (القاسطين) أو الجحود بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم"[40]. حين يجدُّ الجد ويحتدم الأمر ويستوجب القرار يجب أن تأخذ القرار المناسب والذي ينسجم مع الإسلام ومع أهدافه وقيمه أيا كانت صعوبة ذلك القرار.

إن هذه الولاية الدينية يجب أن تكون منحازة للمجتمعات ولخيرها، ولهذا يجب على الوالي أن يتأنّى بهم حتى يتبيّن للمغرّر به، فيعود لما فيه الصلاح والسعادة، لقد انتقد عليه بعضُ الخوارج أنه عقد أجلا للتحكيم بينه وبين معاوية، فأجابهم بما يفيد أنه حريصٌ بالمغرّر بهم من أهل الشام ويتمنى من عامل الوقت أن يعودوا إلى الصواب، لقد قال: "ليتبين الجاهل ويتثبّت العالم، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة، ولا تؤخَذ بأكظامها فتعجلَ عن تبيُّن الحق، وتنقادَ لأولي الغي"[41]، وهذا يفيد أولي الأمر أن لا يعجلوا في مؤاخذة المغرَّر بهم، ومؤاخذة مَنْ تحفِّزهم العوامل الكثيرة لاستعجال موقف، ولا تمنحهم فرصة التفكير أكثر.

إنه المحبة التي كان يدخرها الإمام للشعوب والعامة، كيف لا وهو الذي يقول: "وإنما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوُك لهم، وميلُك معهم"[42]، كيف لا وقد كان لا يزال يطمع أن تلحق به طائفة من أهل الشام المحاربين له من هؤلاء المغرّر بهم، وتعشو إلى ضوئه، لقد كان عليه السلام يكره أن يموت هؤلاء على ضلالهم، ويبوؤون بآثامهم[43].

إن العلماء يجب أن يسعوا إلى إقامة الحكومة الإسلامية التي يرضاها الله، حتى لا يسُدَّ الطغاةُ الفراغَ الذي سيتركونه، وبعد ذلك يكونون إلبا على المؤمنين، وعلى العامة من الناس أجمعين، يأكلون أموالهم، ويقتلون مصلحيهم، لهذا لا مناص لهم من السعي إلى إقامة الحكومة التي يرتضيها الدين والإسلام؛ يقول عليه السلام في رسالته إلى أهل مصر[44]: "ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، والصالحين حربا، والفاسقين حزبا، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام، وجُلِد حدًّا في الإسلام، وإن منهم من لم يُسْلِم حتى رُضِخَتْ له على الإسلام الرضائخ، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحريضكم".

إنها المسؤولية التي استشعرها تجاه مواطنيه، وكأني بزفرة حزنه تتدحرج على صدره الكبير كجبل ضخم لمّا بلغه ما فعلت خيل معاوية بأهل الأنبار المسلمين وغيرهم، لقد آذاه كثيرا أنهم كانوا يدخلون "على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها[45] ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام"، ثم يشتد حزنه أن عاد هؤلاء الغزاة بدون مقاومة، واعتبر أن ذلك يدعو المرء لأن يموت أسى وحزنا[46].

هذا هو إمام العلماء أيها العلماء فماذا أنتم فاعلون؟!

ثامنا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله:

الجهاد في سبيل الله هو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله، وهو بهذا يشمل أنواعا كثيرة من العمل الصالح؛ قال الله تعال: (وجاهدهم به جهادا كبيرا)، والضمير المجرور يعود إلى القرآن الكريم، ويشير إلى الجهاد بالكلمة، كما أنه يراد به القتال في سبيل الله، وهذا بيِّن، كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطلق على ما يكون فيه صيغة الأمر والنهي، والتي هي خطاب من الأعلى إلى الأدنى، وينفِّذه إمام المسلمين وولاته الذين يعيِّنهم، أو الرجال المصلحون الذين يهون عليهم مقام الظالمين فينتصبون أمامهم مستشعرين عظمة الأمر الإلهي فيأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وكأنهم أصبحوا في عداد المجاهدين الأعلين الذين يأمرون وينهون الظالمين الأدنين، كما أنه يطلق ويراد به القتال في سبيل الله.

ورد في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام ما يفيد هذا التداخل في المعني للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد قال صلوات الله عليه: "أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَ لَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَ أَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ"[47]، أطلق الجهاد هنا على المعنى الأعم، وقال عليه السلام: "وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ؛ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[48]، وهنا يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعبة من الشعب التي ينبني عليها أمر الجهاد، وبيّن عليه السلام أن الجهاد قد يكون بالمال وبالنفس وباللسان، حيث قال: "الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله"[49]، كما أن النهي عن المنكر قد يكون باليد وباللسان وبالقلب، وقد يكون باللسان والقلب، وقد يكون باللسان فقط[50]، وبيّن أن من أنكر المنكر والعدوان "بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونوّر في قلبه اليقين"[51].

إن من أهم وظائف العلماء العملية هو أن يهبُّوا للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشرح أمير المؤمنين صلوات الله عليه منزلة الجهاد، وعاقبة من تركه رغبة عنه، حيث قال: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْأسداد، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ"[52].

هذا النص العلوي يشرح أن الجهاد بابٌ مفتوح لأولياء الله، ومدلول الولاية ينطلق على حملة العلوم الشرعية بطريق الأولى، وهم أحق الناس بالقيام بواجبات الجهاد في سبيل الله، يبين النص أن التقوى عارية بدون وقاء يحميها في ظل عدم وجود جهادٍ حقٍّ تُبْنى به الدول لتنصر دين الله وتطبقه منهجا على الأرض، ماذا تفعل التقوى في ظل نظامٍ ظالمٍ يعيث في الأرض الفساد، ويقتل ويسلب، وحقا وصف سلام الله عليه محذِّرا من مغبة ترك هذه الوظيفة، وما الذي سيجنيه المجتمعات من هذا التفريط، إنها ستتلبّس بثوب الذل، يداخلها، ويلفها، ويباشرها، وأي مجتمع هذا الذي يلتحف الذلة، ويحاصر بها؟!!.

سيكون بلاء الظالمين شاملا عاما، لا يفرِّق بين عالم وجاهل، وبين تقي وغير تقي، وبين كبار وصغار، وأشراف وسوَقة.

سيمارس الطغاة والظالمون الإذلال للمجتمع، بالصغار، وهو الامتهان، وبالقماءة وهي التحقير، يلذ لهؤلاء الطغاة بوحي من نفوسهم المنحرفة غير السوية أن يوجهوا الإهانات إلى المجتمع الذي لا يعرف معنى الجهاد والحرية، سيلذ لهم أن يحتقروه ويزدروه، وهم في أمن من أن يحاسبهم أحد منه.

ستصاب المجتمعات بالتبلُّد والاستحمار، فلا تنفذ من قلوب أهلها معرفة، ولا يخرج منها رأي حسن، وأنّى لذليل مستَذَل أن يفكر سويا، وأنى له أن يتخذ قرارا حكيما، وهو مصاب برُهاب الذلة وبوابل الإهانات.

حين لا تقوم المجتمعات وعلى رأسهم العلماء بما يجب عليهم من الجهاد سيُدال الحقُّ منهم، ربما تكون هناك جماعة من الجماعات تمشي على سَنَنِ الحق، ولكن بتضييعهم هذا المبدأ قد يُجازَوْنَ بالخذلان والعمى، حينئذ سينتقل الحق من أيديهم إلى أيدي من يهُبُّون لنصرة دين الله.

سيُسامون الخسف، أي النقص في أموالهم وكرامتهم وحياتهم، وإذا طلبوا النصفة، منعوا من الوصول إليها؛ لأنهم ببساطة يريدون أن يتحركوا على أرضية مخرجاتها من الطبيعي أن تكون سيئة وغير منصفة.

عليهم أن يغيّروا هذه الأرضية الآسنة.

ولأن الجهاد بهذه المثابة من الأجر والثواب والنتائج الحميدة، فقد اعتبره أمير المؤمنين عليه السلام من أفضل ما توسّل به المتوسِّلون إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه "ذروة الإسلام"[53]، ألم يفضله الله في كتابه الكريم على كل الأعمال الصالحة الأخرى!!.

إن الصدق في جهاد العدو أهمُّ مقومات النصر، لقد حكى الإمام سلام الله عليه ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من الجد والاجتهاد في هذا المجال، فلما علم الله صدقهم نصرهم، وأنزل الكبت بعدوهم[54]، ولن تنتصر هذه الأمة على أعدائها إلا إذا رزقت رجالا ينصرون الله بقوة الحق، ويقين العزيمة. وإذا لم تقم الأمة بواجبها فإن العاقبة أكثر سوءا وفسادا، من الأهمية أن يدفع الإنسان ضريبة العدالة جملة بالمشاركة في بناء النظام الإسلامي الذي ينتج العدالة الإلهية، خير له من أن يدفعها هو ومجتمعه وأجياله الطويلة بالتقسيط وبالأضعاف المضاعفة.

إن من مقتضيات أن لا يُقِر العلماء كِظّة ظالم ولا سغب مظلوم - وجوبَ معرفتهم لما يجب أن تكون حياة الأمة الاجتماعية عليه، والطرق التي بها تتحقق العدالة الاجتماعية، ومن سنن الله الكونية أن العقوبة تعم الفاعلين وغيرهم، وأنه يجب على الحاضرين لتلك المعصية أن ينهوا عنها، ما لم فإنهم يكونون شركاء العاصي فيها، ولهذا يضرب أميرالمؤمنين المثَل بعاقر ناقة ثمود، وأنه كان واحدا، "فعمّهم الله بالعذاب، لما عمّوه بالرضا، فقال سبحانه: (فعقروها نادمين)"[55].

تاسعا: العمل والتحرك على قاعدة فقه الأولويات:

هناك أزمنة فيها خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها ولا السكوت عليها في علاقة الحاكم مع شعبه وعلاقته مع دين الله، ويجب إعادة الأمة إلى الوضع الطبيعي في تلك الحالات إذا ما توفرت القدرة والإمكانات، وقد تكون هناك أزمنة تُرتَكَبُ فيها مخالفات شرعية في ظل انتسابٍ عامٍّ للدين وللشريعة الإسلامية، هناك خلل في التطبيق في بعض القضايا، ويمكن التفاهم مع هذا الحاكم على أساس أنه يحفظ أمور المسلمين العامة، أو لا يزال هناك وجود للإسلام وتعاليمه، ففي هذه الحالة يحسن التعامل مع هذا الوضع بما يعزِّز قيم الخير ومناهج الفضيلة، ونشر المفاهيم الصالحة، كما فعل أميرالمؤمنين وهو سيد العلماء في أيام المشايخ الثلاثة الذين سبقوه، فقد شارك في الحياة العامة مشاركة إيجابية وفاعلة، ونصح للإسلام، ولشريعته ولدينه، ليس على أساس أن الحكم القائم شرعي، حيث قد عبر في مواقف كثيرة برفضه له، ولكن على أساس أن الإسلام يدعو أتباعه لأن يقدموا شيئا يرتضيه عنهم، وأن لا تكون الاختلافات مؤثرة على الوضع إلى درجة التآمر وتخريب البلد والمجتمع، ألم يقل أميرالمؤمنين عليه السلام: "لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة، التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه"[56].

هل أخطأ الإمام حين شارك في فعاليات ذلك المجتمع وحركته الحضارية في ظل وضع سياسي يعتقد عدم شرعيته؟ في نظري لا يمكن أن يكون قد أخطأ ليس فقط لما نعتقده من عصمته، بل لأن ذلك هو القرار الصحيح في ظل أوضاع قابلة للتأثير الإيجابي وإبداء المواقف والأعمال، لا سيما في ظروف لا يوجد فيها نصابٌ من الرجال يمكن أن تناط بهم عملية التغيير الكلية. فلنقبل إذن بالتغيير الجزئي الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى التغيير الكلي.

إن أمير المؤمنين عليه السلام يعلِّم العلماء قضية مهمة وهي فقه الأولويات، حيث هو سلام الله عليه رأى أن قضية نصرة الإسلام والحفاظ عليه أولى من القتال من أجل حقه المغتصب، مع أنه كان يعبِّر عن رأيه دائما بأن القوم استبدوا بحقٍّ كان له.

أخيرا سلبيات تمنع العالم من وظائفه يجب التخلص منها:

- ترك العمل: إن من السلبيات التي تحصل لبعض العلماء أن لا ثمرة عملية لعلمهم، وحينما لا يتفاعل العالم مع مجتمعه، حينما لا يتحرك بوعي العالم وبوعي العلم الذي يحمله، حينما يخلد إلى حياة الراحة والتنصل عن المسؤولية، هنا يصبح العالم كالجاهل.

إن ترك العمل معضلةٌ كبيرة في فئة العلماء، وهو ما يجب أن يحذره العلماء حفظهم الله، علينا أن نخرج من المعادلة السيئة التي تقتضي أن نكون إما جهلة متصدِّرين للقرار، أو علماء متوارين عن الأنظار، من الذي فرض هذه المعادلة السيئة؟ لم لا يتصدر العلماء الأعمال، وينفذوا وظائفهم بالقدر المقبول؟

هناك توصيف دقيق لأميرالمؤمنين سلام الله عليه حيث قال: "وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ"[57].

- الشك والتردد: وإذا كان العلم هو اليقين وهو الطريق إلى المعلومة والحيثية الصحيحة فإنه يجب أن يعقب هذه العملية التنفيذ، لا التردد، واليقين لا الشك، إننا نرى في واقعنا كم يتأثر العلماء المخلصون بهذه الآفة، وكم تلجم حركتهم الطبيعية، نرى حجم التأخر الذي يرافق المتشكِّكين من العلماء، والذين تعوّدوا على الشك وقلة اليقين.

لقد حذّر أمير المؤمنين عليه السلام هذين الصنفين من العلماء حيث نهى قائلا: "لا تجعلوا علمكم جهلا، ويقينكم شكا، فإذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقّنتم فأقدموا"[58].

- التسويف: من علامات المجتمعات الفاشلة أن تجد جاهليهم يزدادون جهلا، وعلماءهم يزدادون تسويفا، أولئك يبادرون لفعل المعاصي مثلا، ويستكثرون منها، وهؤلاء لا تروق لهم المبادرة لفعل الطاعات، هم يحبون الطاعة ولكنهم يؤخرون المبادرة إليها، ولا يسرعون لمساعدة المجتمعات إلى الفضيلة والأجر.

وصف عليه السلام مثل هذه المجتمعات التي يجب أن نسعى لإخراج مجتمعنا عنها، بقوله: "جاهلكم مزداد، وعالمكم مسوِّف"[59].

- التعنت: الفائدة من العلم هو أن تعمل بمقتضاه بما يرضى الله عنك فيه، فإذا كان مبتغى العالم هو التباهي أو البحث والتكلف عن الأسئلة التي يريد بها أن يُعْنِت الآخرين أو يتعسَّفُهم، فهو بمثابة الجاهل، لا فرق بينهما، لقد نهى أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك حيث رد على سائلٍ سأله عن معضلة من المعضلات: "سَلْ تَفَقُّهاً وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً، فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ"[60].

- كثرة الشغَب والاعتراض: هنا تكون حالة من الحالات التي غالبا ما تكون من أهل العلم ولا سيما أنصاف المتعلمين، من تقادم بهم الزمن فنسوا كثيرا من معلوماتهم، فحلّت في عقولهم الإشكالات، وذهبت عنهم حدائق الأجوِبات، هؤلاء هم من سيكثر اعتراضهم، إنهم يريدون أن يثبتوا أنهم من أهل العلم، ولا بد إذن من أن يعترضوا على هذا أو ذاك، لقد عانى أمير المؤمنين عليه السلام من مجتمع الكوفة؛ لأنهم كانوا أنصاف متعلمين بخلاف أهل الشام الذين غلب عليهم الجهل؛ وهكذا في المجتمعات التي لا تنتج حركة واعية تتحول تلك العلوم إلى مادة للإسفاف والاعتراض والكيد والتباهي، قال سلام الله عليه في سحرة اليوم الذي ضُرِب فيه: "مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَأَنَا جَالِسٌ فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَاللَّدَدِ (الاعوجاج والخصام)، فَقَالَ: "ادْعُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي".

 

الخاتمة

وبهذا يتبين لنا من خلال نهج البلاغة أن من واجبات العلماء في ما بينهم وجوب أن يتواصلوا من خلال منهج المحبة الذي يربطهم ببعضهم ليعود ذلك بالخير على المجتمع، كما أنه يجب عليهم الاستمرارية في بحث العلم واستنباط الأحكام ومواكبة الزمان بالاجتهادات العملية الواقعية المنضبطة بالنصوص الشرعية، وظهر أيضا أن من أهم واجباتهم ووظائفهم تربية المجتمع على الفضيلة والإيمان الحي النابض بالعطاء، وأن عليهم أن يسلكوا سبيل الحق والهداية في ما يفتون به ويلقونه بين عامة الناس، كما ظهرت أهمية أن يكون العلماء هم من يقيمون ميزان الحق والعدل والإنصاف، وأن يكونوا نصحاء مخلصين لدولة الحق ولمجتمعاتهم، وتبيّن أيضا أن ولي أمر الأمة لا بد أن يكون من العلماء العاملين، وأن على بقية العلماء العاملين نصرته والجهاد معه، وأن التقصير في هذا الجانب هو ما سيورث الأمة الخسران والبوار، واتّضح أنه يجب أن يراعوا في مواقفهم ظروف الزمن الذي يتحرّكون فيه وأن يتخذوا قراراتهم المرحلية التكتيكية على أساسِ فقهِ الأولويات الذي علّمنا إياه أمير المؤمنين عليه السلام.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

--

[1] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة رقم 214.

[2] خطبة رقم 292.

[3] (آل عمران 79).

[4] حكمة رقم 372.

[5] خطبة رقم 191.

[6] خطبة رقم 32.

[7] المجموع الفقهي والحديثي.

[8] خطبة رقم 34.

[9] خطبة رقم 270.

[10] خطبة رقم 196.

[11] حكمة رقم90.

[12] خطبة رقم 85.

[13] خطبة رقم 86.

[14] خطبة رقم 152.

[15] المجموع الفقهي والحديثي للإمام زيد عليه السلام.

[16] المصنف لعبدالرزاق الصنعاني رقم5407.

[17] المشروع فيه والمحرم.

[18] واجباته ومندوباته.

[19] الرخصة: ما شُرِع للمكلف فِعْلُه أو تركه لعذر مع بقاء مقتضي التحريم، والعزيمة بخلافها.

[20] العبر هي قصصه، وأمثاله كقوله تعالى: (مثلهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر...).

[21] المرسل المطلق وما ليس مؤقَّتا، والمحدود هو المقيد والمؤقَّت.

[22] المجمل ما افتقر إلى البيان.

[23] قال المولى مجد الدين المؤيدي: يحمل النسخ هنا على التخصيص، أو بأن المراد في السنة مع الكتاب نسخه.

[24] نسخ السنة بالكتاب.

[25] كفعل ركعة واحدة أو كثير من الركعات، مقبول في أدناه، وموسّع في أقصاه.

[26] خطبة رقم1.

[27] خطبة رقم 208.

[28] حكمة رقم30.

[29] خطبة رقم 17.

[30] خطبة رقم4.

[31] خطبة رقم34.

[32] خطبة رقم 134.

[33] خطبة رقم 35.

[34] خطبة رقم 173.

[35] خطبة رقم129.

[36] خطبة رقم 33.

[37] خطبة رقم 41.

[38] هي محافظات جنوب وجنوب غرب بحر قزوين حاليا التابعة للجمهورية الإيرانية.

[39] تاريخ الطبري، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، ج5 ص679.

[40] خطبة رقم 54.

[41] خطبة رقم 125.

[42] من عهده لواليه الأشتر رضي الله عنه.

[43] خطبة رقم 55.

[44] رقم 62.

[45] من أدوات وملابس المرأة وزينتها.

[46] خطبة رقم 27.

[47] حكمة رقم 375.

[48] حكمة رقم 31.

[49] خطبة رقم 286.

[50] حكمة رقم 374.

[51] حكمة رقم 373.

[52] خطبة رقم 27.

[53] خطبة رقم 108.

[54] خطبة رقم 56.

[55] خطبة رقم 199.

[56] خطبة رقم 74.

[57] خطبة رقم 108.

[58] حكمة رقم 274.

[59] حكمة رقم 283.

[60] حكمة رقم 320.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  ورقة ألقاها الباحث في ندوة أقامتها رابطة علماء اليمن بالاشتراك مع مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام علي –عليه السلام- تحت عنوان (وليد الكعبة شهيد المحراب) يوم الخميس 20 رمضان 1435هـ الموافق 17 يوليو 2014م.

دخول المستخدم
القائمة البريدية
استطلاع رأي
ما رأيك في موقع المجلس الزيدي
مجموع الأصوات : 0
صفحتنا على الفيسبوك
جميع الحقوق محفوظة 2019